صديق الحسيني القنوجي البخاري
403
فتح البيان في مقاصد القرآن
لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ وهم المهاجرون والأنصار ، والباء زائدة ، قال ابن عباس : فإن يكفر أهل مكة بالقرآن فقد وكلنا به أهل المدينة والأنصار ، وقال قتادة : هم الأنبياء الثمانية عشر ، وقال أبو رجاء العطاردي : هم الملائكة ، وفيه بعد ، لأن اسم القوم لا ينطبق إلا على بني آدم ، وقيل هم الفرس ، قال ابن زيد : كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكا أو نبيا أو من الصحابة أو التابعين ، والأولى أن المراد بهم الأنبياء المذكورون سابقا لقوله فيما بعد : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار إذ لا يصح أن يؤمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاقتداء بهداهم وتقديم فَبِهُداهُمُ على الفعل أي اقْتَدِهْ يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء ، قرىء اقتده بهاء السكت وقفا ووصلا ، وهي حرف تجتلب للاستراحة عند الوقف فثبوتها وقفا لا إشكال فيه ، وأما ثبوتها وصلا فإجراء له مجرى الوقف ، وفي قراءة بحذفها وصلا لحمزة والكسائي . والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله ، وقيل المعنى اصبر كما صبروا ، وقيل اقتد بهم في التوحيد وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة ، وقيل في جميع الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية ، والصفات الرفيعة الكاملة ، وفيها دلالة على أنه صلى اللّه عليه وسلم مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص . أخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال : أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقتدى بهداهم وكان يسجد في ص « 1 » ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص فقرأ هذه الآية وقال : أمر نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام . وقد احتج أهل العلم بهذه الآية على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال التي كانت متفرقة في جميعهم . قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على القرآن أو على التبليغ ، فإن سياق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر لهما ذكر أَجْراً عوضا من جهتكم ، قال ابن عباس : قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضا من عروض الدنيا وكان ذلك من جملة هداهم . إِنْ هُوَ أي ما القرآن إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ أي موعظة وتذكير للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد ، وفيه دليل على أنه صلى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق من الجن والإنس وأن دعوته عمت جميع الخلائق .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 6 ، باب 5 ، والنسائي في الافتتاح باب 48 ، وأحمد في المسند 1 / 364 .